وصف الكتاب:
إن أول انطباع تأتي به كلمة زمان هو الماضي بما ذهب، وما أصبح في حكم الذكريات؛ وإن شئت فقل إن الزمان بالنسبة لنا هو الأشياء القديمة والطباع القديمة والأصدقاء القدامي والأعداء القدامى أيضًا. ولكن هل هذا مفيد للإنسان؟ هل تصلح الأشياء القديمة والطباع التي صارت قديمة والصداقات والعداوات أن تبقى في خيالات الذاكرة نستدعيها في لحظات الاسترخاء أو الوحدة أو الضيق من الواقع؟ إن الإنسان العاقل هو الذي لا يكون له ماض جميل لا يتصل بالحاضر ليجمله، خاصة إذا أدرك أن رحلته في الحياة قصيرة، وما دامت الرحلة القصيرة، فهل من العقل أن ندخر ثلث الرحلة أو نصفها أو معظمها في دفاتر للذكريات وصناديق للذكريات ، وأن نجعل كل جمال وكل سعادة ارتبطت بالذكريات تدفن في أكذوبة نصنعها ونبكي عليها ونتمنى إحياءها بعد أن ماتت في قسم “زمان” الذي نستعذب ترديده ونتعذب بأيامه الخوالي وجماله الزائل؟ قبل أن نعيد تصحيح مسار «زمان» في مخيلتنا، سأقص عليك هذه الحكاية… أشخاص صالحون للبقاء وفي موضع آخر يقول: ليس هناك أسعد من اللحظات التي نقضيها بصحبة أشخاص نشعر في وجودهم بالألفة والسكينة.. نقول ما نحب من دون أن نشعر بأن هناك ما يقيد كلامنا.. نطلق النكات والقفشات ونفرغ ما بداخلنا من مشاعر سلبية أو إيجابية، باختصار يمكننا البوح بكل شيء أمامهم. لو بحثت عن هذه المؤهلات المناسبة لتوفر لك بيئة آمنة للبوح، فلن تجدها إلا في صديق مخلص، لكنك ستواجه مشكلة عندما تبحث عن هذا الصديق فتجده «قديمًا» أو كان صديقك ولم يعد اللقاء بينكما ميسرًا كما كان. في الحقيقة، ستجلس إلى نفسك وتتذكر تلك اللحظات التي قضيتها في حضرة ذلك الصديق البعيد، وسوف تلجأ إلى اجترار الذكريات من الصندوق القديم. بالأمس كان اللقاء سهلا، في المدرسة أو الجامعة أو في محيط السكن القديم، ستقول لنفسك وأنت تتنهد «يااااه من زمان ما رأيته». ربما يكون صديقك في قائمة أصدقائك على أحد مواقع التواصل، وربما تجده عند صديق مشترك بينكما على فيسبوك، وربما تبحث عنه وتعثر عليه وترسل له طلب صداقة.. فهل هذا يكفي لاستعادته؟