وصف الكتاب:
إن التطور الثقافي والحضاري والفكري للمجتمع الدولي ساهم بشكل كبير في تطوير منظومة حقوق الإنسان، فبعدما كانت حقوق الإنسان تتمثل في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948، ظهرت الحاجة إلى إصدار اتفاقيات دولية تعنى بحقوق الإنسان، وفي ضوء التطور الذي أسس مبادئ حقوق الإنسان تم تقسيم تلك الحقوق الى ثلاثة أجيال، وهي الحقوق المدنية والسياسية (الجيل الأول)، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية (الجيل الثاني)، والحقوق الفردية والجماعية (الجيل الثالث)، والتي من هذه الأخيرة برزت فكرة الحقوق البيئية، وهي الحقوق القائمة على فكرة التضامن بين مختلف الدول لتكريسها وضمان احترامها، كالحق في العيش في بيئة سليمة وهي حقوق حديثة نوعاً ما، حيث إن وجودها كان ضمنياً في النصوص وبصورة غير مباشرة، من خلال تحقيق حريات وحقوق أخرى تندرج ضمنها، فالحق في بيئة سليمة كان يستدل عليه من مجرد الإقرار بالحق في الحياة، الذي كرسته المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ومنذ انعقاد مؤتمر ستوكهولم للبيئة المنعقد في عام 1972، الذي تضمن هذا الحق وفي بيئة ذات نوعية تتيح العيش في حياة كريمة وسليمة، ما نحا بهذا الحق بعداً جديداً من حيث ترسيخه في الوعي الفردي والجماعي وعلى المستوى الوطني والدولي، وكان هذا المؤتمر ضربة البداية لسباق تكريس الحقوق البيئية على مستوى النصوص والصكوك وآليات العمل الدولية التي يترجمها على أرض الواقع إطار قانوني دولي للبيئة يجعل من الإنسان مواطناً عالمياً لا ينحصر حقه في العيش في بيئة نظيفة وسليمة على رقعة جغرافية بعينها، بل يعطيه امتداداً في الزمان من حيث الحفاظ على حقوق الأجيال القادمة في الثروات الطبيعية والموارد القابلة للنضوب أو الأجناس المهددة بالانقراض من جهة، وبروز مفهوم حماية البيئة الطبيعية كمفهوم قانوني قابل للحماية كمصلح قائم بذاته من جهة ثانية. وتعد قضية البيئة من أخطر مشاكل العصر الحديث التي تحتاج إلى اهتمام خاص ومستمر لزيادة الوعي لدى الشعوب والدول بالأضرار التي تهدد صحة البشرية، كما تعد من المشكلات المتعددة الأوجه والأبعاد وتتميز بأنها ذات طبيعة تراكمية حيث تكونت عبر السنين في محصلة التفاعل بين عوامل عديدة سياسية واقتصادية واجتماعية يتعلق بعضها بالإنتاج والتطوير، والبعض الآخر يرتبط بالاستهلاك وأنماطه . وبدأت آثار هذا التفاعل على البيئة مع ازدياد العلاقة التفاعلية للإنسان معها خاصةً مع تطور التكنولوجيا التي تعد ثمرة الثورة الصناعية والعلمية وعلى كافة الجوانب الاجتماعية لهذا التطور الملموس، إلا أن الآثار السلبية له جعل من تفاقم المشكلات والمخاطر بالنظر إلى الأضرار الجسيمة التي يمكن أن يترتب على استعمالها، إذ إن تجاهل الأبعاد الإنسانية لللبيئة أو القيود التي تفرضها الطبيعة على العمليات التنموية في غمرة الاهتمام بالتراكم الرأسمالي، أدى الى حدوث العديد من المشاكل البيئية التي أصبحت على درجة كبيرة من الخطورة، مما أدى الى ظهور ما يسمى بالمشاكل الإيكولوجية العالمية أو المشاكل الكونية. وجسد إعلان ريو دي جانييريو لعام 1992، وإعلان جوهانسبرغ لعام 2002، مبدأ الحق بالبيئة وبروز مفهوم التنمية المستدامة الذي اعتمد أساسه على تلبية حاجات الحاضر دون المساس بحاجات المستقبل، وتمت ترجمته على الصعيد الوطني لأغلب القوانين والتشريعات الوطنية، لا بل تبنت بعض الدول دسترته في قوانينها الأساسية الناظمة لسياسة الدولة. ويطرح بروز هذه المشاكل البيئية وتفاقم حدتها عدة تحديات غير منظورة للعلوم الاجتماعية والاهتمامات البيئية للمواطنين والدول والمصالح الخاصة، حيث لم يعد ما يواجه العالم اليوم محصوراً في الحالة التي صورها تقرير نادي روما الصادر عام 1972، والمعنون بحدود النمو The limits to gro wht، والمتمثلة في استنزاف الموارد الطبيعة، والتي يمكن مواجهتها وإن كان بطريقة محدودة وغير كفوءة من خلال إحلال رأس المال الطبيعي برأس المال المادي، سواء من خلال ابتكار منتجات جديدة لاستبدال الموارد التي توشك على النفاذ، أو بواسطة تقنيات جديدة توسع نطاق المخزونات الحالية، بل إن مواجهة العالم اليوم يمثل ظروفاً مختلفة بشكل جذري، ولذا يجب على المؤسسات القائمة أن تتعامل مع هشاشة الأنساق والعمليات الحيوية التي لا يمكن استبدالها بغيرها، فلا يمكن استبدال طبقة الأوزون أو الاستقرار المناخي على سبيل المثال. وأدت هذه العلاقة السلبية بين الإنسان والبيئة في العصر الحديث الى ظهور طائفة من الظواهر الطبيعيه الخطيرة، والتي استدعت اهتمام العالم أجمع ورغبته في مواجهة هذه المشكلات ودراستها للحد من أخطارها وآثارها الضارة على الإنسان والبيئة على حد سواء، مما أدى هذا الأمر الى خلق نظرة جديدة وصارمة من قبل المجتمع الدولي لبحث تلك الآثار من خلال إقامة المؤتمرات وإبرام الاتفاقيات والمعاهدات والبرتوكولات الدولية، ناهيك عن الاهتمام الداخلي بتلك القضايا البيئية. ومن تلك المعطيات أخذ الفقه العالمي الدولي في إعادة النظر مع التعامل في مسألة الضرر البيئي كواقعة حتمية، وظهرت فكرة المسؤولية الدولية عن الأضرار البيئية، والتي بالضرورة لم تخلُ من الجدل الفقهي الكبير وتضارب فلسفي قانوني حول الأساس الفقهي لتلك المسؤولية، فالبعض من الفقه يرى أن الخطأ هو أساس المسؤولية، وأخرون ينظرون إلى فكرة المخاطر لقيام المسؤولية، ومنهم من أخذ بفكرة العمل غير المشروع التي تقوم على أساسها المسؤولية الدولية على الأضرار البيئية. وكان لمحكمة العدل الدولية دور رئيس في وضع الأسس والقواعد المتعلقة بالقانون الدولي ومنها القضايا البيئية، على الرغم من أن مساهماتها لم ترتقِ إلى مستوى الطموح لما أفرزته القضايا والمشاكل البيئية من أضرار نتج عن ذلك الأمر نزاعات دولية، فكان من الضرورة بمكان أن تكون هناك وسائل لتسوية هذه النزاعات وخاصة أن من أهم مبادئ هيئة الأمم المتحدة تسوية النزاعات الدولية بالطرق السلمية وحفظ الأمن والسلم العالميين، ولأن النزاعات الدولية البيئية ذات طابع خاص، لابد أن يكون لحلها ذات المكانة، وتبرز تلك الأهمية من محاولة أولى، ابتداء في ردع السلوكيات الضارة بالبيئة، حيث إنه وفي الوقت الراهن لم تنشأ بعد محكمة دولية واحدة متخصصه بالقضايا البيئية، والتي يمكن معها أن يطرح عليها هذا النوع من النزاعات بطرق ووسائل تختلف عن آليات تسوية المنازعات الدولية التقليدية. والمؤلف من خلال تلك المعطيات ينحصر بحثه حول الإطار القانوني الناظم للمسؤولية الدولية وقت السلم، فعلاوة على أهمية هذا الموضوع فإنه يحتل موقفاً خاصاً ومميزاً في القانون الدولي العام والقانون الدولي البيئي، على الرغم من أنه لم يلقَ حتى الآن الاهتمام المنشود من أجل الكشف عن قواعد ضابطة لتسوية تلك المنازعات البيئية وإيجاد الوسائل الملائمة لها في ظل الطبيعة الخاصة والمميزة للقانون الدولي البيئي وقضايا البيئة، فمثل هذا الموضوع يثير الكثير من المشاكل والتساؤلات، فمن الثابت أن المشاكل المتعلقة بالبيئة لها خصائص تميزها عن سواها من حيث تنوعها وعلاقتها بعضها البعض، أو من حيث مدى الأضرار الناجمة عنها والتي يصعب تقديرها أو حتى معرفة مدى تأثيرها، عداك عن المشاكل القانونية الأخرى المتعلقة بتحديد أطراف النزاع أو المحكمة المختصة بالنظر بتلك القضايا، أو تلك القواعد القانونية الواجبة التطبيق على المنازعات الدولية البيئية.