وصف الكتاب:
كانت حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ضيقة ومحددة ومقيدة وأقرب إلى خدمية وفق التشريعات الداخلية، وكانت حكراً على القوانين الداخلية في ظل القانون الدولي التقليدي، ولكن بفعل التطورات السريعة والمتلاحقة التي شهدتها هذه المواضيع على الساحة الدولية محوراً لاهتمام القانون الدولي المعاصر، ونجد من بينها حرية تنظيم العمل النقابي التي اعتنت بها وأقرتها كثيراً من الاتفاقيات الدولية العالمية منها والإقليمية. وقد حظيت باهتمام منظمة الأمم المتحدة وذلك من خلال ما تضمنته قوانين الشرعة الدولية والاتفاقيات الصادرة عن منظمة العمل الدولية باعتبارها وكالة متخصصة تابعة لها، تعمل أساساً على حماية حقوق العمال وحرياتهم الأساسية وعلى رأسها حرية تنظيم العمل النقابي. وبالتالي يجب احترام أبعادها الدولية والتي تقضي بعالميتها وعدم قابليتها للتجزئة، أو التنازل، مما يستدعي ضمان احترامها في النظم القانونية الوطنية، وتوحيدها في تشريعات دول العالم المنظمة لهذه الاتفاقيات. وحيث إن حرية تنظيم العمل النقابي تعتبر حقاً اجتماعياً وقانونياً مشروعاً، تحققه المجتمعات الحديثة منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين بعد معارك قانونية واجتماعية وسياسية طويلة، امتدت على مدار أجيال عديدة تضافرت فيها جهود الحركات الاجتماعية والنقابية والسياسية طوال القرنين الثامن والتاسع عشر، وقد تعاظم هذا الجهد الدولي مع اجتهادات القضاء وصناعته لنصوص القانون الاجتماعي، وحمايته للطرف الضعيف في علاقة العمل والسعي الدؤوب إلى مزيد من التكريس لحقوق الإنسان على الصعيدين الدولي والوطني، ذلك أن الحق النقابي أصبح شرطاً لازماً لفعالية تشريع العمل، بالإضافة إلى اتساع الاهتمام من الطلبة والباحثين والجامعيين والمختصين بالموضوع المتعلق بالحقوق والحريات النقابية وقانون العمل والضمان الاجتماعي والمنازعات الاجتماعية، ومنظومة التقاعد والرواتب. وفي ضوء هذه التطورات بادر المركز الوطني لحقوق الإنسان بإصدار بيان أوضح فيه أن من حق النقابيين أن يكون لهم رأيهم في الشأن الوطني العام، وأن استخدام العنف ضد النقابيين يشكل خرقاً للقانون، وشدد المركز على ضرورة أن تكون مرجعية العلاقة بين الحكومة والنقابات المهنية هو الدستور والقانون ومصلحة الوطن العليا، مشيراً إلى أن انقطاع الحوار وتبادل الاتهامات ووجود المظاهر الأمنية حول النقابات يوحي بأن البلاد تعيش ظروفاً أمنية صعبة، وهو ما يخالف الواقع جملة وتفصيلاً، كما أن ضمور الحياة السياسية في البلاد بشكل عام وضعف الأحزاب الوطنية لأسباب تاريخية وموضوعية، خلق حالة ملتبسة تستوجب فحص الأسباب التي أدت إلى نشوء هذه الحالة، كما تستوجب مراجعة جادة ومخلصة لمنهجية العمل السياسي برمته، وأن للعمل النقابي وبقية مؤسسات المجتمع المدني دوراً أساسياً وطبيعياً في التنمية الوطنية بأبعادها المختلفة، ولابد من الاعتراف بهذا الدور إذا كنا نهدف إلى توسيع قاعدة المشاركة. وإن انضمام الدولة الأردنية لعدة اتفاقيات دولية، من أهمها منظمة العمل الدولية والاتفاقية الناشئة عنها، وهي الاتفاقية رقم 98 لسنة 1949 المتعلقة بشأن تطبيق مبادئ حق التنظيم والمفاوضة الجماعية، والعهدين الدوليين، والإعلان العالمي لحقوق الانسان، إذ يُرتب على الدولة الأردنية واجبات والتزامات من شقين: الشق الأول: دولية تقضي بضرورة نفاذها في مواجهة الدولة من خلال الآليات الدولية العالمية منها والإقليمية بهدف رصد ومراقبة تنفيذها وتعديل تشريعاتها بما يتواءم مع المعايير الدولية. أما الشق الثاني: إن مستوى ما توفره الدولة الأردنية من حماية لكفالة هذه الحرية إنما يعد أحد العوامل البالغة الأهمية في تقويم مدى اقترابها من المعايير الدولية التي تسوق إلى تقدم اجتماعي ورقي حضاري ومعايشتها لروح العصر.