وصف الكتاب:
دراسة بحثية معمّقة للوضع البشري المعاصر وامتحان العناصر الفاعلة فيه بوجهة نظر تنطوي على قدر غير قليل من الجدّة وبما يجعل هذا الكتاب ( كسائر كتب هراري ) مساءلة فلسفية للأفكار أكثر من كونه محض دراسة تقنية كتلك التي نشهدها في الأدبيات الخاصة بالمستقبليات والتنبؤات وديناميات الصيرورة البشرية في جوانبها كافة . يُعرَف عن هراري ( المولود عام 1976 ) ولعه الطاغي بالموضوعات المتعلقة بإعادة مساءلة الوضع البشري وبخاصة في الجوانب المعنية بالإرادة الحرة ، والوعي ، والذكاء - المعرفي والإصطناعي معاً - ، وهو يُفرِدُ تأكيداً خاصاً في كلّ كتاباته على " الثورة المعرفية " والكيفية الثورية التي نقلت حال الإنسان العاقل إلى ماهو عليه في يومنا هذا ، ولاينسى هراري بالطبع دراسة كلّ الثورات الأخرى ( الثورة الزراعية ، الثورة العلمية ،،، ) وتأثيراتها الحاسمة في تشكيل معالم الحضارة البشرية . يُعرَفُ عن هراري كذلك إنه نشأ في عائلة يهودية علمانية ذات جذور لبنانية وأوروبية شرقية ، وهو يتبع في حياته نمطاً بوذياً خاصاً ويمارس التأمل اليومي لمدة ساعتين : واحدة صباحاً والأخرى مساءً ، ويرى أنّ بوسع التأمل أن يكون أداة بحث أصيلة تفتح مغاليق مجهولة أمام العقل البشري . يعرَفُ عن هراري كذلك معارضته الراسخة للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين ( والقضية الفلسطينية بعامة ) ويرى أن السلطات الإسرائيلية تمارس نوعاً من السيطرة والإستبداد تجاه الشعب الفلسطيني نابع من الشعور الطاغي بالتفرّد المعرفي والفائقية التقنية ، وهو لايفتأ يذكّرُ بأنّ هذه الغطرسة الإسرائيلية شبيهة بذلك النوع من الإستبداد والعبودية الرقمية التي سيخضع بها البشر لسطوة الآلات المفكّرة بعد بلوغ الذكاء الإصطناعي تخوماً غير مسبوقة في العقود القادمة . هيكل الكتاب يتوزّع الكتاب - إلى جانب مقدمته الثرية - على خمسة أقسام ، ويحتوي كلّ قسم على عدد من الفصول التي إختار لها هراري عناوين رئيسية متبوعة بعناوين فرعية ذات دلالة درامية تدعم العنوان الرئيسي : القسم الأول بعنوان ( التحدي التقني ) ويضمّ أربعة فصول هي ( التحرر من الوهم ) و ( العمل ) و ( الحرية ) و ( المساواة ) ؛ أما القسم الثاني فهو بعنوان ( التحدي السياسي ) ويضمّ الفصول التالية : ( الجماعة البشرية ) ، ( الحضارة ) ، ( القومية ) ، ( الدين ) ، الهجرة ) ، ثمّ نقرأ في القسم الثالث المعنون ( اليأس والأمل ) عناوين الفصول التالية : ( الإرهاب ) ، ( الحرب ) ، ( التواضع ) ، ( الإله ) ، ( العلمانية ) ، بعدها ينتقل هراري إلى القسم الرابع الخاص بموضوعة ( الحقيقة ) ويتناول فيه الفصول التالية : ( النكران ) ، ( العدالة ) ، ( مابعد الحقيقة ) ، ( الخيال العلمي ) ، ثمّ يختم هراري كتابه بقسم يختص بموضوعة غريبة هي ( المرونة والقدرة على التكيف في أشكال جديدة ) ونقرأ فيه عن الفصول التالية : ( التعليم ) ، ( المعنى ) ، ( التأمّل ) . المعضلات العظمى التي تواجهنا في القرن الحادي والعشرين ليس بمقدور أيّ كائن بشري أن يتغافل - أو حتى يصطنع الغفلة - عن القلق بشأن طائفة كبرى من الموضوعات التي باتت همّاً إنسانياً يتشاركه الجميع ، وتأتي موضوعات الإرهاب ، وفرط الإحترار المناخي ، والصعود الدراماتيكي المتوقع لتطبيقات الذكاء الإصطناعي وخوارزميات الذكاء العميق ، وتراجع التعاون العالمي في مقدمة تلك الموضوعات ؛ لكن ثمة الكثير من الموضوعات الأخرى التي قد يغفل عناها الكثيرون لأنها لاتمثّل حتى الآن - ربما - مخاطر جدية بات يستشعرها الإنسان في حياته اليومية . يتناول هراري في كتابه ( 21 درساً للقرن الحادي والعشرين ) هذه المجموعة الكبرى من المعضلات ، و يرى أنّ التعامل الأفضل مع هذه المعضلات لايكون بنكرانها بل بالإختيار الحكيم لما يستحقّ التفكّر فيه منها أولاً ، ثمّ في تحديد كمّ القلق الواجب ازاءها ثانياً . يتساءل هراري في مقدمة كتابه : " ماهي التحديات الأعظم والتغيّرات المهمة التي تواجهنا اليوم ؟ ومالذي ينبغي أن نهتمّ بشأنه من تلك التحدّيات ؟ وماالذي ينبغي أن نعلّمه لأطفالنا ؟ " . يختلف هراري عن غيره من دارسي المستقبليات وتأريخ الأفكار والباحثين في الوضع البشري بعامة حيث أنه لايكتفي بتعريف المواضعات السائدة ومن ثمّ كتابة الوصفات الأنيقة والمختصرة اللازمة للتعامل معها بل نراه دوماً في كلّ كتبه يمتلك ولعاً طاغياً في مساءلة الأفكار المعروضة وتعريفها ومن ثمّ تناول شتى وجهات النظر بشأنها في سياق منظور ثري بالإستبصارات الفلسفية المدعمة بالوقائع التأريخية .