وصف الكتاب:
من المعروف أن الرقابة على دستورية القوانين تنصرف إلى السلوك الايجابي للمشرع، فالنص أو القانون الظاهر هو الذي يخضع لرقابة الدستورية لمعرفة مدى تطابقه مع الدستور، كما أن هنالك بعض التشريعات نصت على اخضاع السلوك السلبي للمشرع لرقابة الدستورية عندما يمتنع المشرع عن اتخاذ تدابير تشريعية كان من الواجب عليه اتخاذها بموجب نصوص الدستور، أو عندما يتنكر المشرع عن مباشرة اختصاصه الاصيل بالتشريع فاسحاً المجال للسلطات الاخرى ولاسيما السلطة التنفيذية لمباشرة هذا الاختصاص بقصد التسلب من مباشرة الاختصاص أو التخفف من أعباء التشريع، فالآثار الناجمة عن الاغفال التشريعي المتأتي من سكوت المشرع المطبق عن التشريع أو بسبب النقص والقصور عن تنظيم حالة أو موضوع أو وضعاً سواء أكان عمداً أم إهمالاً يمثل إخلالاً من جانب المشرع بالتزامه الدستوري بالتنظيم من شأنه أن يخلق فراغاً أو فجوة تشريعية تؤثر في ضمانات الحق أو الحرية أو الموضوع محل التنظيم فضلاً عن كونه يشكل خرقاً فادحاً لقواعد الدستور وموجبات أحترامه، فالاغفال التشريعي يشكل انتهاكاً للقواعد الشكلية والموضوعية الواردة في الوثيقة الدستورية، ويشكل خرقاً لمبدأ سمو الدستور، ومبدأ الفصل بين السلطات وقواعد توزيع الاختصاصات، ولما كانت فلسفة الرقابة على دستورية القوانين تقوم بالاساس على مبدأ سمو الدستور واحترام قواعده فإن أي خرق لهذه القواعد يوجب تدخل القضاء الدستوري لمعالجة اغفال المشرع بوسائل المعالجة كافة الثنائية أو الذاتية سواء أكان ذلك بالتنبيه أم التوجيه أو النداء أو من خلال التدخل المباشر لمعالجة هذا الفراغ التشريعي لاكمال النقص أو القصور باستعمال اختصاصه التفسيري، أو استئصال النص أو التشريع المخالف للدستور فيما لم يتضمنه – فيما اغفلهُ – واعلان عدم دستوريته، وإذا كان سكوت المشرع غير المقرون بتكليف دستوري يعدّ من قبيل الملائمات التي تعدّ من أخص مظاهر السلطة التقديرية للمشرع وتعد مما يترخص به المشرع، كونه هو الذي يحدد وقت التدخل بالتشريع أو عدم التدخل وهو المسؤول عن تحديد البواعث والاهداف وضرورة التشريع ومن ثم لا يخضع لرقابة الدستورية فإن هذه الرخصة تغدو عزيمة إذا كان السكوت مقروناً بتكليف دستوري بالتشريع وعندها نكون أمام امتناع المشرع عن أداء التزامه الدستوري ويخضع لرقابة الدستورية سواء ورد النص على هذا النوع من الرقابة أم لم يرد. أهمية البحث: تأتى أهمية البحث من كون السلطة التشريعية تعدّ أعلى هيئة منتخبة ممثلة لإرادة الشعب ويقع عليها التزام سن تشريعات موافقة للدستور، ومن ثم فإن أي خرق للدستور يصدر عن السلطة التشريعية يجب منعه وإيقافه سواء أكان سلوك المشرع عمداً أم إهمالاً وفقاً لمبدأ أعلوية الدستور، فالدستور يعدّ الضمانة والكفالة الحقيقية للحقوق والحريات العامة وهذا يقتضي أن تترجم هذه الضمانة النظرية إلى ضمانة حقيقية من خلال التشريع ومن ثم فإن خرق السلطة المختصة بالتشريع لهذه الضمانات سواء أكان الخرق بسلوك إيجابي بإصدار تشريعات قاصرة أم بسلوك سلبي من خلال السكوت أو الامتناع عن التنظيم أو التسلب من الاختصاص يشكل تهديداً مباشراً للدستور يستوجب الكشف عنه ومعالجته وتحديد آثاره والحد منها حفاظاً عن سمو القواعد الدستورية، وعلى صعيد التشريعات العراقية يمكن ملاحظة وتشخيص الكثير من التشريعات التي صدرت في ظل دستور 2005 تتضمن إغفالاً تشريعياً مخالف للسمو الدستوري، كذلك فإن الكثير من التشريعات التي صدرت في ظل الدساتير السابقة لدستور 2005 ولا زالت نافذة تحتاج إلى مواءمة نصوصها مع المبادئ الواردة في دستور 2005 ومعالجة الإغفال التشريعي المخالف لسمو القواعد الدستورية الواردة فيه، ومن هنا تظهر أهمية البحث في محاولة بلورة نظرية عامة في مواجهة ظاهرة الإغفال التشريعي في كل صوره، ورسم ضوابط ومنهاج واضح المعالم لاتجاهات المحكمة الاتحادية العليا في العراق في مجال الرقابة على الإغفال التشريعي. مشكلة البحث: يمكن أن نلخص مشكلة البحث بأن آثار الاغفال التشريعي سواء أكانت دستورية أم قانونية أم اجتماعية أم اقتصادية أم سياسية هي ذات طبيعة مزدوجة فهي من جانب تشكل خرقاً للقواعد الشكلية والموضوعية والضمانات الدستورية، ومن جانب آخر تشكل اخلالاً من جهة المشرع في مباشرة اختصاصه التشريعي، وهنا يثار التساؤل هل أن الاغفال التشريعي هو من قبيل الملاءمات التي تدخل في اختصاص المشرع التقديري؟ وهو الذي يحدد متى يتدخل ومتى يسكت عن التنظيم؟ وما هو تأثير هذا السلوك للمشرع اتجاه الضمانات الدستورية محل التنظيم؟ إذ لا زالت هنالك اتجاهات فقهية وقضائية تذهب إلى أن رقابة القضاء على القوانين هي رقابة فنية ذات طابع قانوني مجرد ويمتنع عن القضاء مناقشة السلطة التقديرية للمشرع وتقدير ضرورة التشريع وبواعثه وملاءمته، في حين نجد أن الاتجاهات الحديثة بدأت تمتد لتشمل رقابة الاغفال التشريعي لجسامة الآثار المترتبة عليه وفق أن التنظيم القاصر يشكل مخالفة دستورية وأن سكوت المشرع عن مباشرة اختصاصه المقترن بالزام دستوري بالتشريع يعد امتناعاً يخضع لرقابة الدستورية وهذا يقتضي بحث الاثار الناجمة من الاغفال التشريعي بأنواعها ودور القضاء الدستوري في معالجة هذا الاغفال وكشفه والتنبيه إليه وسد الفراغ التشريعي مع بيان مدى نجاعة المواجهة القضائية لظاهرة الإغفال التشريعي، وهذا ما سنتولى الإجابة عليه في ثنايا البحث. أسباب اختيار الموضوع: يرجع اختيار هذا الموضوع للأسباب الآتية: 1- أن موضوع الاغفال التشريعي يعدّ من الموضوعات المهمة في ضوء الظروف الراهنة في العراق وما أفرزته التجربة الدستورية الحديثة الناجمة من مباشرة الاختصاص التشريعي الذي شابه النقص والقصور والفراغ التشريعي وما ترتب عليه من آثار دستورية وقانونية وسياسية واجتماعية واقتصادية. 2- خطورة الآثار المترتبة على الاغفال التشريعي والمتمثلة بانتهاك الدستور والمساس بمبدأ سمو الدستور والاخلال بالضمانات الدستورية التي قررها المشرع الدستوري بالتقييد أو بالانتقاص. 3- لا زال هنالك عدم وضوح في تحديد الحدود الفاصلة بين صور الاغفال التشريعي، فقد تتداخل صورة السكوت التشريعي أو الصمت التشريعي الكلي مع الامتناع التشريعي، كما قد يتداخل القصور في التنظيم مع التسلب عن الاختصاص وخرق قواعد التفويض التشريعي أو الإحالة التشريعية والإفراط بها من المشرع مما يقتضي تحديد هذه الحدود وبشكل دقيق. 4- محاولة إلقاء الضوء على دور واتجاهات المحكمة الاتحادية العليا في الكشف عن الاغفال التشريعي والتنبيه إليه ومعالجته ووسائل المعالجة مقارنة بالنظم القضائية التي سبقتها في اعتبار الاغفال التشريعي كعيب دستوري يحرك الرقابة الدستورية وصولاً لرسم أبعاد وملامح لرقابة الاغفال التشريعي في قضاء المحكمة الاتحادية العليا ومنهاجها وضوابطها في ضوء ما صدر منها من أحكام قضائية. منهج البحث: لغرض الوقوف على آثار الاغفال التشريعي والإحاطة بجوانبه كافة وتحديد دور القضاء الدستوري في الكشف عن الفراغ والقصور التشريعي ومعالجته ولغرض الوصول إلى إجابات مقنعة تتفق مع المنطق القانوني السليم لمعالجة إشكالية البحث التي أشرنا إليها سابقاً كان لزاماً علينا أن نعتمد المنهج الاستنتاجي والتحليلي والمقارن سواء ما تعلق منها بالنصوص أم ما تعلق منها بالتطبيقات القضائية في هذا الشأن، مستعينين بالأحكام القضائية الصادرة من القضاء الدستوري المتخصص في فرنسا ومصر والعراق وبعض الدول الأجنبية كالمانيا والنمسا وايطاليا واسبانيا والبرتغال وجنوب أفريقيا والمجر، وبعض الدول العربية كالبحرين، لذا كان لزاماً علينا أن نقسم هذا البحث على فصل تمهيدي وبابين رئيسين، خصصنا الفصل التمهيدي لبحث ماهية الإغفال التشريعي وقسمناه على ثلاثة مباحث، خصصنا الأول لبحث مفهوم الإغفال التشريعي، والثاني لبحث التأصيل التاريخي والفلسفي لفكرة الإغفال التشريعي، والثالث خصصناه لبحث صور الإغفال التشريعي، أما الباب الأول فقد خصصناه لبحث آثار الاغفال التشريعي وقسمناه على فصلين خصصنا الفصل الأول: لبحث آثار الاغفال التشريعي الدستورية والقانونية، وقسمناه على أربعة مباحث، الأول لمعالجة آثار الإغفال التشريعي على مبدأ سمو الدستور، والثاني: لمعالجة آثار الإغفال التشريعي على مبدأ الفصل بين السلطات، أما الثالث: فقد خصصناه لمعالجة آثار الإغفال التشريعي على مبدأ الانفراد التشريعي، أما المبحث الرابع: فقد خصصناه لبحث مجالات تأثير الإغفال التشريعي في قواعد توزيع الاختصاص. أما الفصل الثاني فقد خصصناه لبحث آثار الاغفال التشريعي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وقسمناه على ثلاثة مباحث، خصصنا المبحث الأول لدراسة الآثار الاجتماعية، والمبحث الثاني لدراسة الآثار الاقتصادية، والمبحث الثالث لدراسة الآثار السياسية. أما الباب الثاني: فقد خصصناه لبحث رقابة الاغفال التشريعي وموقف المحكمة الاتحادية العليا في العراق، وقسمناه على فصلين، خصصنا الفصل الأول لبحث رقابة الاغفال التشريعي وضوابطها ووسائلها، وقسمناه على ثلاثة مباحث، خصصنا الأول: لبحث مفهوم رقابة الإغفال التشريعي ومبرراتها، والثاني: لبحث ضوابط الرقابة على الإغفال التشريعي، والثالث: لبحث المعالجة القضائية للإغفال التشريعي، أما الفصل الثاني فقد خصصناه لبحث موقف المحكمة الاتحادية العليا في العراق من رقابة الاغفال التشريعي، وقسمناه على ثلاثة مباحث، خصصنا المبحث الأول: لبحث موقف التشريعات المقارنة من رقابة الإغفال التشريعي، والثاني: خصصناه لبحث موقف القضاء الدستوري من رقابة الإغفال التشريعي، والثالث: خصصناه لبحث موقف المحكمة الاتحادية العليا في العراق من رقابة الإغفال التشريعي، وأنهينا البحث بخاتمة معمقة تضمنت خلاصة ما توصلنا إليه من استنتاجات وتوصيات.