وصف الكتاب:
لقد مرّ مبدأ القوة الملزمة للعقد بتطورات متعددة أدّت الى اقرار استثناءات منه، فالأصل ان العقد ملزم لطرفيه بحسب مضمونه، إلاّ ان الظروف الاقتصادية المتغيرة فرضت استثناءً تمثّل في نظرية الظروف الطارئة، كما أقرّت التشريعات استثناءات أخرى بشأن عقود الاذعان وعقود الاستهلاك وغيرها، ولكل استثناء أسسه ومسوغاته. ولكن التطور الأخير يتمثل في (نظرية الاخلال الفعّال في العقد)، والتي تقرر ان الاخلال اذا كان من شأنه ان يزيد نسبة الرفاه الاجتماعي فانه يكون اخلالاً فعّالاً أو منتجاً، ولذا يجب التعامل معه بصورة تتلاءم مع هذا الوضع بشرط ان لا يخرج أحد خاسراً من المعاملة. وتُقدّم هذه النظرية مثالاً تقليدياً مضمونه ان شخصاً باع شيئاً لآخر، وقبل ان ينفذ العقد عرض عليه شخص ثالث شراء الشيء ذاته بضعفي الثمن، فاذا أخل البائع بعقده مع المشتري لكي يبيع الشيء للشخص الثالث وقدم للمشتري تعويضاً يشمل الخسارة التي لحقت به والكسب الذي فاته، فان أحداً لا يخرج خاسراً من هذه العملية بل سيربح البائع والشخص الثالث ومن وراءههما، وسوف يأخذ المشتري ما كان يأمله من العقد ايضاً ولو بمقابل هو التعويض النقدي. وهناك مثال آخر للاخلال الفعّال يتمثل بارتفاع كلفة تنفيذ الالتزامات التعاقدية بالنسبة الى المدين، إذ تفترض النظرية في هذه الحالة ان المدين يميل الى الاخلال بالعقد تحت وطأة هذه التكاليف، ولذا يجب التعامل مع هذا الوضع بما يتلاءم معه فيدفع المدين التعويض بدلاً من استمراره في تنفيذ العقد وتحمل نفقات باهظة قد تزيد على مقدار هذا التعويض الذي يدفعه للدائن. ويفترض في هذه الصورة ان ارتفاع تكاليف التنفيذ لم تصل الى حد وصفها بالقوة القاهرة ولا الظرف الطارئ، بل هي أقل من ذلك، وقد تكون بسبب الخطأ في حساب هذه التكاليف عند الدخول الى العقد. ويقول أنصار النظرية ان تعويض الدائن نقدياً لا يجعل الأمر مختلفاً بالنسبة اليه، فاذا صرّح المدين بالسبب الذي دفعه الى الاخلال وبيّن رغبته في دفع هذا التعويض، فمن الخير للدائن ان يقبل بذلك بدلاً من متابعة الدعاوى التي قد لا تجعله في الوضع ذاته في النهاية بسبب التكاليف والوقت والجهود التي تتطلبها. بل يكون ذلك خيراً للمجتمع بعد ان أصبحت موارد البشر تتسم بالندرة فيتطلب الحفاظ عليها ان تدار بصورة تحقق الفعّالية من خلال توّجه القضاء الى الحكم بالتعويض مباشرة للدائن، أي بعد ان يُصرّح المدين بسبب اخلاله بالعقد أمام المحكمة، وقد تطلب المحكمة من الطرفين التفاهم على مقدار التعويض وإلاّ قدرته هي بحسب القواعد التي تحكم التقدير أو التي يقترحها أنصار النظرية. وهذا الحل يفضل المعالجات الأخرى التي لا تُجد نفعاً بحسب أنصار النظرية كالتنفيذ العيني، والذي ثبت في الواقع ان القضاء لا يميل اليه في قضايا الاخلال بالعقود في أغلب الأنظمة القانونية.