وصف الكتاب:
نبدأ بالتحية لمن نقدّم إليه هذه الباقة العطرة من الأبحاث والدراسات والمقالات والشهادات التي تعدّ زلالاً من رشحات علمه وأدبه وثقافته وإنسانيته، وفيضاً من لجج بحار نقده وإنشائه وشعره، تحية له يوم لقائنا به في بيروت، وتعَرُّفِنا عليه أول مرة هناك، تحية له يوم استضفناه محاضراً لمدة أسبوعين في جامعة يوزونجو ييل عام 2010م، تحية له حين كتب خاطرته المعنونة بـ (أسبوعان في وان)، تحية له يوم استقبلَنا في الموصل الحدباء في رحاب جامعتها الغراء مشاركين في مؤتمرها العلميّ، تحية له يوم نزح عن الموصل مرغماً ونزل (وان) في أول يوم من رمضان عام 2014م، تحية له يوم بدأ بالعمل أستاذاً زائراً في قسم اللغة العربية بكلية الإلهيات، تحية له يوم كتب فأبدع، تحية له ساعة انعزل فأشعر، تحية له حين تفكّر فتحوّلت أفكاره إلى نصوص عميقة تحيا في فضائنا، تحية له يوم سبحنا معاً في البحر فأحسن الصحبة والرفقة، تحية له يوم تنزهنا في جزيرة (آه تمارا) فأسعدنا بتعليقاته وملاحظاته… هناك شعار لإحدى شركات تصنيع التدهين يقول: إن أخذت اللون من الحياة فماذا سيبقى منها؟ نأتي هنا فنغير هذا الشعار ونقول: إن أخذت الأدب والفكر والنقد والثقافة والمعرفة من الحياة فماذا سيبقى منها؟ فالأدب في الحقيقة نغم وإيقاع يشدّ الأذن إليه، والأدب سحر وجمال يخرج النفس من عالم الشهود إلى عالم الخيال والأساطير والرموز، والأدب جزء لا يتجزأ من جوهر الإنسان، به يعيش، وعلى مدارجه يسمو، ويعلو أعلى الدرجات. فالأدب لا يترك مجالاً للحياة إلّا ويدلو فيه بدلوه، ويقول فيه قوله. المحتفى به في هذا الكتاب هو أحد أقطاب هذا الأدب في عصرنا الحاضر. في الحقيقة هناك دائماً شخصيتان على الساحة الأدبية في كلّ مكان: شخصية تعيش في فترة معيّنة لا تؤثّر ولا تتأثّر، ومن ثمّ فلا فرق بين وجودها وغيابها مطلقاً، وشخصية أخرى مختلفة ومغايرة لا ترضى بالمعهود والمعوّد عليه، فتبدع وتنتج، وتؤثّر وتتأثّر مهما كانت الأوضاع أو الظروف أو المصاعب والمآسي، وأستاذنا الأستاذ الدكتور محمد صابر عبيد من أبرز نماذج الشخصية الثانية، فعلى الرغم من أنه نازح ومهاجر ومشرّد من وطنه فإنّه لم يكن أسير هذه الحالة الصعبة بل استمر في إنتاج الكتب وإعداد المقالات العلمية واستمر في كتابة الشعر والنثر، ونحن ككلية وقسم اللغة العربية سعداء بوجوده بيننا في كلية الإلهيات بجامعة يوزونجو ييل. عندما يكون ينبوع الألفة والمحبة بين بني البشر سرّاً إلهيّاً مزروعاً في حقل الأفئدة، لا، ولن ينبت إلّا الخلود والإخلاص والأمل والنجاح، ولن ينتج إلّا التضحية والوفاء من أجل الهدف الأسمى في الحياة، ولن يكدّر صفوة هذه الألفة تقلّبات الدهر وفتن الزمان وكوارث الأحداث، وستبقى أعلام هذه الألفة ترفرف في سماء الإخلاص تتحدّى عناصر المصالح الزائلة والأهواء العابرة، وتذبل أعلام الصداقة الكاذبة أمامها لتنطفئ في ظلام الرياء والخداع. ولقد نبتت المحبة بيننا وبين الشاعر المبدع والناقد الأكاديميّ المعروف الأستاذ الدكتور محمد صابر عبيد في هذا النوع من الحقل الذي يسقيه جدولٌ من الأسرار الإلهية الغيبية التي لا يطّلع على كنهها أحد، فكان من نتاجه ما قد حصل، والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه. منذ أن نزح زميلنا العزيز عن الموصل، واتجه صوب مدينة (وان) لم يقطع صلته بالكتابة والإبداع والتفاعل والإسهام في الندوات والمؤتمرات والحلقات الدراسية في كلّ مكان، ولا نابتْهُ أوقاتٌ تسدّ بينه وبين اليراع المشحوذ دوماً بالعلم والمعرفة وقوة الإرادة، بل اشتعلت فيه جذوة الإنتاج فأبدع من الشعر والنثر ما شاء أن يبدع، وتوغّل في النقد مغامراً مغامرة الأسود في غياهب الغابات المظلمة، ممسكاً طريدته بما حباه الله من أدوات الفكر والأدب والفن، واضعاً في يديها مفاتيح ما استغلق من أبوابها كيما تخرج من أيّها شاءت. تلكم هي حال أستاذنا العزيز بعد النزوح عن الموصل، فاستقراره في مدينة وان، لم يغير طريقته السابقة في الشعر والنقد سوى مدّة قصيرة ضاغطة، فرضت عليه مشاعر الغربة والحنين والتهجير حيث انعطف قليلاً في كتاباته النثرية إلى شيء من نقد السياسة الجارية في العراق بخاصة، وفي العالم العربي بعامة، لكن سرعان ما عاد إلى فطرته بعد أن أفرغ قلبه من موجعاته، وأدى الفريضة التي فرضتها عليه مشاعره ونشرها في سلسلة مقالات في الملحق الثقافي الأسبوعي لجريدة (النهار) البيروتية، ومن ثمّ أودعها في كتابه الموسوم بـ (صوت البركان: سيرة الكوميديا العراقية) الصادر عام 2015م عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت. ما يعنينا في هذا الكتاب ليس ما أبدعه من الشعر والنثر والنقد في الزمن الذي قضّاه بين ظهرانينا فتلك مهمته التي لن يقصّر فيها أبداً، وإنما يعنينا ما كُتب عنه في مدّة تواجده في تركيا وتحديداً في مدينة وان، حيث لفت هذا الناقد أنظار كثير من أساتذة قسم اللغة العربية وطلاب الدراسات العليا في قسم اللغة العربية، فاتجهوا إلى نبعه الذي لا ينضب، واختاروا من أعماله الأدبية ودراساته النقدية نموذجاً لدراساتهم، فأعدّوا رسائل علمية عنه نوقشت وحصلت على أرفع الدرجات، وكتبوا دراسات علمية نشروها في مجلات علميّة محكّمة، أو قدّموها كمداخلات في ندوات عالمية في أكثر من بلد. فأحببنا أن نجمع هذه الدراسات التي نهض بها أساتذة القسم وأساتذة آخرين من جامعات أخرى، فضلاً عمّا نشر حول أعماله من مقالات وشهادات تقارب تجربته من مناحً مختلفة، ونضعها بين دفّتي هذا السفر الكتابيّ النقديّ نموذجاً لمرحلة معيّنة من مراحل هذا الأديب العملاق. تتكوّن أعمال الأستاذ الدكتور محمد صابر عبيد من ثلاثة محاور مركزية: الشعر والنثر والنقد. والكلام على المحاور الثلاثة كلّاً على حِدة قد يجرنا إلى الإطالة والتفصيل، وهنا ليس مجاله ضمن منهجية كتابنا هذا؛ لذلك نريد أن نركز على بعض النقاط المشتركة التي تنبئ عن وحدة الفكر ووحدة الأسلوب ووحدة الموقف، التي تدل على الإبداع والابتكار والأصالة في أعماله، وهذه النقاط هي: 1- تتميز كتاباته شعراً ونثراً ونقداً بالسِلميّة، لا تجده يشغل نفسه بالحروب الجانبيّة العارِضة التي قد تحصل هنا وهناك بين الأدباء، تعصّباً لفكرةٍ أو دفاعاً أعمى عن منهجٍ، ذلك أنّ شخصيته تحترم شخصية الآخر، وتؤمن بالحرية وديمقراطية القيم والآراء، فلا يهاجم ولا يدخل في مهاترات لا طائل من ورائها، وإنّما يقول كلمته من منطلق علميّ أكاديميّ لغاية الإسهام في سموّ الحقيقة الأدبية. 2- تتميز كتاباته بالعفّة والنزاهة والموضوعية والجرأة، تراه يتجنب الكلمات البذيئة المبتذلة بعفوية لا شعورية، وينجم هذا- ربّما- من نشأته البيئية التي تقدّس الأخلاق العامة؛ لذا تجد في كتاباته المجازات والكنايات واستخدام فنّي التشبيه والاستعارة بكثرة. 3- أعماله محوريّة لا تتشتت، فهو شاعر بالطبع؛ لذا لا يملك أن يرد الأفكار والمشاعر التي تهجم عليه، وهو ناقد بفعل اختصاصه العلميّ والأكاديميّ؛ لذا عليه أن يبدع فيه، ويكتب، وهو ناثر بفعل شهرته التي تهوي أفئدة من الناس إليه كي يتعرّفوا عليه وعلى منهجه وعلى طريقته التي ارتقت به إلى هذه الدرجة الرفيعة. فلا تجده خرج عن هذه المحاور الثلاثة إلى الآن، لكنه يتنوع في المحاور الثلاثة تنوعاً يجعله ذا أفنان. 4- له منهج متكامل، وأسلوب خاصّ في النقد، وطريقة جديدة وأصيلة فيه مما جعل الكثير من محبيه والباحثين الجدد يفضلون السير على نهجه والأخذ بطريقته، فظهرت بذلك مدرسة نقدية جديدة يمكن أن نسميها ب- “المدرسة الصابرية”، وهي حَريةٌ بأن تُدرس وتُكتشف، ويعلن عنها في عيان علميّ وأكاديميّ مبين. 5- لا تظهر إيديولوجية معينة، أو عقيدة دينية أو مذهبية متعصّبة في شعره ونثره يدعو إليها، أو يقع تحت تأثيرها، فيظهرها على حساب الخلل بالفنّين، وكذلك لا يبدو عليه في نقده أنّه يحمل ضغائن على أحد يشهر عليه حداد أسنته، وإنما الممارسة النقدية عنده لعبة أدبية وثقافية ومعرفية عميقة- على حد تعبيره- يتسلى به، ثم يتركها ليبدأ بلعبة جديدة أخرى تتوالد من اللعبة السابقة، وهكذا.. ولعلّ خير ما يطلعنا على مزايا أدب هذا الأديب العظيم ونقد هذا الناقد الكبير الدراسات والمقالات والشهادات التي كتبت عنه في كلّ مكان وأوان، والتي جمعنا بعضها بين دفتي هذا الكتاب المتنوّع؛ لذا لن نسدّ عليكم الطريق أكثر من هذا فيما يحلو لنا من طيب الكلام، ونفتح لكم الباب على مصراعيه للولوج إلى هذه الحديقة الملونة بجميع ألوان قوس قزح والمزينة بشتى أنواع الجنائن والنباتات والزهور والطيور، فادخلوها بسلام آمنين.