وصف الكتاب:
الكتاب الكاشف إنما يلفت الانتباه إلى جذور الإبداع الجمعى والوعى الجمعى، كيف يعبر عن آلامه وأفراحه عبر أدبه. جعلنى صلاح الراوى بعد الانتهاء من قراءة كتابه أستدعى هذا الوعى الشعبى المبدع الذى مارسته أم كلثوم من غناء وكذا محمد فوزى ومحمد رشدى وغيرهم، بل حتى إبداعات عبد الرحمن الأبنودى وصلاح جاهين. لقد كان للوعى الإبداعى الشعبى دور فى تكوين هؤلاء كمبدعين ورثوا عن أسلافهم موروث متراكم الطبقات، حتى ظن البعض منهم منفصلاً عن هذا الوعى، بل كان اداركهم اللاشعورى من هذا الفن العميق سبباً فى تحديد ما يقدمونه لجمهورهم، وهذا فى حقيقة الأمر أحد الأسباب غير الظاهرة لنجاحهم وقبولهم من فكرنا. أراد صلاح الراوى فى كتابه هذا أن يسرقنا إلى فكره ورؤاه، لذا نراه يحدد أنواع الأدب ويفرق بينها من وجهة نظره فهو يرى أن النكته، والنادرة يلتقيان على ما يسميه بالحكاية المرحه فى انتمائها إلى الفن الفكاهى الشعبى، ومن هنا ينطلق ليفرق بين النكتة وبين النادرة فالتفريق بينهما أمر له أهميته، لأن الخلط بين الأنواع هو جوهر المصيبة التى تقع على رأس هذا الكائن المسكين المسمى بالفلكلور فقط (وليس الفلكلور الشعبى، كما يصر البعض على تسميته). والنكتة بناءٌ فنى لغوى ذو ملامح خاصة، فهى تقوم على المفارقة والتى قد تكون مفارقة فنية لغوية، كاعتمادها على الجناس والتوريه وغيرهما، أو المفارقة الموقفية وغير ذلك من المفارقات، والمفارقة هى التى تولد الدهشة، ومن ثم الإمتاع الفنى (لاحظ أنها تسمى أحياناً القفشة، أى الإمساك بالمساحة العارية فى المفارقة). والعنصر الثانى هو الموقف النقدى، خاصة فى النكته السياسية، وهذا العنصر مصدره الوظيفة التى خلقت هذا النوع الفنى، أما العنصر الثالث، فهو قِصَر عبارة النكتة غالباً، فالنكته الطويلة قليلة الإمتاع عادة. وتلتقى النادرة مع النكتة فى العنصرين الأول والثانى، وتختلف عنها إلى حد ما فى العنصر الثالث، إذ تعتمد النادرة على السرد أو القص أو الحكى بصورة مضطردة، ولا يعنى هذا أن النكتة لا تعتمد على السرد، بل نقصد أن للنكته وسائلها المتعددة، فقد تعتمد على السؤال والجواب أو على النشاط العملى ككذبة أول أبريل مثلاً ... إلخ، بينما النادرة حكاية فى أساسها. ومن ثم، اصطلح على تسميتها بالحكاية المرحة، والنادرة تختلف عن النكته فى اهتمام الأولى بذكر أسماء أبطالها أكثر من النكتة. كما اتفقت النادرة مع النكته فى أغلب ملامحها النوعية الرئيسية، فإنها تتفق معها فى الوظيفة بحكم انتمائمها معاً لجنس واحد هو الفكاهة الشعبية، وقد تبدو الفروق ضئيلة، لكننا قصدنا إلى هذا التفريق، لنشير إلى أهمية تناول الأنواع الشعبية بشىء من التدقيق تجنباً للتعميم (وليس أحمد كالحاج أحمد). ووظيفة النادرة، وفى رأى صلاح الراوى، هى النقد الاجتماعى أو السياسى. ومن هنا، كان القول بسلبية هذه الأداة الشعبية قولاً تنقصه الدقة العلمية، فهو تعميم و تسطيح، ويعتقد أن مصدرهما الرغبة الغريبة فى تطوير الفولكلور، وكلمة "تطوير" هى أعجب، بل أبشع و أجهل الشعارات التى ترفع فى مجال الفولكلور، ثم يتساءل: فمن الذى سيطور؟ إذا كانت الانتليجنسيا هى التى ستطور، هو يطالبها بأن تفهم أولاً ما تتجه إلى تطويره. ونجد صلاح الراوى يأخذنا إلى نوادر جحا، فالنظرة الأحادية تدفع البعض إلى القول بسلبيتها، وأحياناً نجد من يقول بتطويرها. كيف؟ لا أدرى. وفى تصورى أن بعض أصحاب فكرة سلبية النوادر إنما يقفون أمام بعض النصوص ثم يصدرون أحكامهم، بينما الموضوعية و الدقة العلمية تقتضى أن ندرس الظاهرة من وجوهها المختلفة من خلال عملية استقراء علمى، فكيف نشأت الجحوية، وفى أية ظروف وكيف، وفى أية تجليات وصلتنا، وأى جحا هو الذى نتحدث عنه، هل هو جحا العربى أم جحا الرومى ( التركى ) أم جحا المصرى؟