وصف الكتاب:
الرق هو استعباد الناس، والرقيق هم العبيد عند أسيادهم. تفخر أمريكا اليوم على العالم؛ لأن رئيسها "إبراهام لنكن" الذي تولى رئاسة الولايات المتحدة عام 1860م يعدُّ أول رئيس في العالم وفي تاريخ البشرية أعلن إلغاء الرق. وكذلك تفخرُ أوروبا بنفسها؛ لأنها أصدرت مثل هذا الإعلان في القرون الأخيرة، ويعزِّزون هذا الفخر بأن الإسلام لم يفعل مثل ما فعلوا؛ إذ لم يحرِّم الرق كما حرَّموه. نقول في البَدْء: إن الإسلام لم يوجد الرق ولم يشرعه؛ لأنه جاء والرقُ منتشرٌ بين الناس، وعند الأمم كلها، ولم يوجد في القرآن نصٌّ يبيح الرق، وإنما جاء فيه وفي السنة النبوية الدعوة إلى تحرير العبيد، واتخذ وسائلَ شتى لإنقاذ العبيد من العبودية؛ من هذه الوسائل ما يأتي: • جعل الإسلام عتقَ السيدِ عبدَه طريقًا إلى رحمة الله وجنته، قال - تعالى -: ﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ [البلد: 11 - 14]، و(فك رقبة) تحرير عبد من سيِّده في سبيل الله. جاء أعرابي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، دلَّني على عمل يدخلني الجنة، فقال: ((عتق النسمة، وفك الرقبة))، فقال: يا رسول الله، أوليسا واحدًا؟ أي: أليس عتق النسمة وفك الرقبة معناهما واحد، فقال: ((لا، عتق النسمة أن تتفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تساعد في ثمنها)). وجعل الإسلام كفارة الحنث في اليمين؛ أي: يحلف بالله على فعل شيء ولم يفعله، جعل الإسلام كفارةَ ذلك أمورًا من بينها عتق الرقبة، فقال - تعالى -: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ [المائدة: 89]. وكذلك جعل الإسلام كفَّارة الظِّهار وهو أن يقول الرجل لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، أنه جعل كفَّارة ذلك لتحل له زوجته عتقَ رقبة، فقال الله - تعالى -: ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [المجادلة: 3]. وقد جعل القرآن الكريم كفارة القتل الخطأ تحرير رقبة، قال الله - تعالى -: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 92]. وجعل مَن نذر أن يحرِّر رقبةً وجب عليه الوفاء بنذرِه، فهذه الذنوب التي كثيرًا ما يقع فيها الناس حين جعل الإسلامُ كفَّارتَها عتق العبيد، أدى ذلك إلى تحرير عدد كبير منهم، فالإسلام بهذا التشريع ضيَّق من مصادر الرق، وفتح للرقيق أبواب التحرير، بل نستطيع أن نقول في هذا الصدد: إن أمريكا وأوروبا ألغتا الرقَّ في مجال الدستور، ولكن لم تلغياه في مجال الواقع والتطبيق، في حين أن الإسلام وإن لم يلغِ الرق في مجال الدستور إلا أنه ألغاه في ميدان العمل والمعاملة، وهذا هو المهم، وقد شرع الإسلام في هذا الميدان مبدأين: • أولهما: مبدأ المكاتبة: شرع الإسلام مبدأ المكاتبة، وهو منح الحرية للعبد متى ما طلبها بنفسه مقابل مبلغ من المال، وهذا الأمر ثابت في نص القرآن، قال - تعالى -: ﴿ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ [النور: 33]. وعتق العبيد هنا - أي: تحريرهم - أمر إجباري، لا يملك السيِّد رفضَه ولا تأجيله بعد أداء المبلغ المتفق عليه، وإلا تدخَّلتِ الدولة الإسلامية - القاضي أو الحاكم - لتنفيذ عتق العبد بالقوة. وبتقرير مبدأ المكاتبة يكون الإسلام قد فتح في الواقع بابَ تحريرِ العبد متى ما رغِب العبد في ذلك، ولم ينتظر من سيِّده ليمنَّ عليه بتحريره، والدولة تساعده بتسديد هذا المبلغ كله أو شيء من أدائه، قال الله - تعالى -: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 60]، وفي الرقاب: هم العبيد. بل الإسلام بتقريرِ هذا المبدأ قد ألغى الرقَّ في الحقيقة والواقع والتطبيق، أو بتعبير أدق إنه قد ألغى الرق من قبل الدولة ومن قبل السيد، وبقي إلغاء الرق منوطًا فقط بالعبد نفسه. • والمبدأ الثاني: أن العبودية قبل الإسلام كانت قائمةً على أن السيد أعلى من عبده درجةً، وأن للسيد الحقوق كلها على عبده، وأن العبد لا يملك أي حق كان على سيده، فكان السادة يعاملون العبيدَ كما تعامل البهائم أو أدنى، فلما جاء الإسلام ألغى هذه الفروقات بينهما، وساوى بينهما في الإنسانية وفي الحقوق جميعًا، فلما رأى السادة أن العبيد في ظل الإسلام ارتقوا إلى مستواهم وأنهم لا يتميزون منهم بشيء، وجدوا أنفسهم أنهم لا حاجة لهم بعد ذلك في استرقاق العبيد، فتركوا الرق طوعًا. وقد انتبه لهذه الحقيقة مستشرقٌ غير مسلم من قساوسة الغرب لا يؤمن بالإسلام، وهو "مونتكمري واط" في كتابه الذي اطلعت عليه: "محمد في المدينة"، ترجمة شعبان بركات، فقد ذكر ص450 - 451 من هذا الكتاب أن دعوة القرآن والرسول إلى أخوَّة العبيد والسادة، جعلت السادة يتركون الرق؛ لأنهم لم يعدُّوا أنفسهم متميِّزين منهم، وهذا أدى إلى أن يفقد المسلمُ السيد الرغبةَ في استرقاق أخيه، فتركوا الرق بعد أن شعروا أن عبيدهم قد صاروا مثلهم في ظل الإسلام. فالإسلام ألغى الرق في الواقع، فقد اتبع الإسلام في هذه القضية وفي كل قضية الأسلوبَ الحكيم في تحرير العبيد، وهو الأسلوب الذي تفتقده أنظمةُ الدنيا كلها قديمُها وحديثُها. فقد ألغى الغرب الرق في مجال الدستور، في حين بقي العبيد عندهم مكبَّلين بأغلال العبودية في الواقع نفسيًّا وماليًّا، والدليل على ذلك أن الرئيس الأمريكي حين أصدر قرارًا منع بموجبه الرق وأمر السادة بتسريح عبيدهم، ضاعوا وتاهوا وجاعوا، حتى عاد كثير منهم بعد أسابيع وأشهر إلى سادتهم يرجون منهم أن يُعِيدوهم عبيدًا عندهم كما كانوا؛ لأنهم وجدوا أنفسهم لا يُحسِنون غير عمل العبودية. فقد كان إلغاء الرق عندهم في الظاهر فقط ومن أجل الإعلام، وإلا كما يقول أحد الكتَّاب المسلمين: فأين هو الرق الذي أُلغي؟! فما اسم ما كانت تصنعه فرنسا في المغرب العربي؟! وما اسم ما كانت تصنعه أمريكا في الزنوج، وإنكلترا في الملونين في جنوب إفريقيا؟! أليس الرق في حقيقته هو تبعية قومٍ لقوم آخرين، وحرمان طائفةٍ من البشر الحقوقَ المتاحة للآخرين؟ تزعم أوروبا أنها أعلنت إلغاء الرق في بلادها، وهي لا تملك ولم تطبق من مبادئ المساواة بين السادة والعبيد غير هذه الإعلان. وأوروبا لم تُلغِ حين ألغته متطوعة، وكتَّابهم يعترفون بأن الرق ألغي حين ضعف إنتاج الرقيق؛ لسوء أحوالهم المعيشية، وفقدان الرغبة والقدرة على العمل؛ حيث أصبحت تكاليف العبد من إعالة وحراسة أكثر من إنتاجه، فهي إذًا حسبةٌ اقتصادية لا غير، يحسب فيها المكسب والخسارة، ولا ظِلَّ فيها لأي معنى من معاني الإنسانية التي تشعر بكرامة الجنس البشري فتمنح الرقيق حريتها من أجلها. كما أن أوروبا اضطرَّت إلى إلغاء الرقيق نتيجةَ الثورات المتتابعة التي قام بها الرقيق، فاستحال معها دوام استرقاقهم. وأين إلغاء الرق الذي تدَّعيه أمريكا، فماذا يسمى التمييز العنصري الذي تمارسه ضد الزنوج، إنه حين مشى رجل أسود بجانب فتاة بيضاء بإذنها ورضاها لا كرهًا منها، ثارت حفيظة البيض، لا لأن واحدةً منهم قد دُنِّس عِرْضُها، فتدنيس الأعراض عندهم شيء مباح، ولكن لأن واحدًا من السود استطاع أن يصادقها، فثاروا بغضب وطرحوه أرضًا، وما زالوا يضربونه بأحذيتهم حتى فاضت روح