وصف الكتاب:
لا ريب في أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) يُعدّ امتداداً لجدّه وأبيه وأخيه من حيث المعرفة، ومن حيث الاقتدار الفني في التعبير. وقد جاء على لسان خصومهم أنّهم أهل بيت قد زقّوا العلم زَقّاً، وأنّها ألسِنَةُ بني هاشم التي تفلق الصّخر، وتغرف من البحر1. وعلّق عمر بن سعد يوم عاشوراء على خطبة للإمام الحسين (عليه السّلام): «إنّه ابن أبيه، ولو وقف فيكم هكذا يوماً جديداً لما انقطع ولما حُصِر»1. وقال أصحاب المقاتل عن كلماته وخطبه في كربلاء ويوم عاشوراء: إنّه لم يُسمع متكلّم قطّ قبله ولا بعده أبلغ في منطقه من الحسين (عليه السّلام)1. وبالرغم من قصر المدّة الزمنيّة لإمامته، وعدم إتاحة الفرصة السّياسيّة التي تفرض صياغة الخطب عادةً، بخاصّة أنّه (عليه السّلام) التزم بالهدنة التي عقدها أخوه (عليه السّلام) في زمن معاوية، فقد اُثر عنه (عليه السّلام) في ميدان الخطبة وغيرها أكثر من نموذج، فضلاً عن أنّه (عليه السّلام) في زمن أبيه (عليه السّلام) قد ساهم في خطب المشاورة والحرب2، وحشَد فيها كلّ السّمات الفنّية التي تتناسب والغرض الذي استهدف توصيله إلى الجمهور3. وأمّا خطب المعركة التي خاضها في الطفّ أو كربلاء، حيث فجّرت هذه المناسبة عشرات الخطب منذ بدايتها إلى نهايتها، فقد تنوّعت صياغةً ومضموناً، وتضمّنت التذكير بكتبهم التي أرسلوها إليه، وبطاعة الله وبنصرته وبالتخليّ عن قتاله. وممّا جاء في أحدها: " تبّاً لكم أيّتها الجماعة وتَرَحاً! أحين استصرختمونا والهِين فأصرخناكم موجِفين، مؤدّين مستعدّين، سَلَلْتُم علينا سيفاً لنا في أيْمانِكم، وحششتُم علينا ناراً قدحناها على عدوّكم وعدوّنا، فأصبحتم إلبْاً على أوليائكم، ويداً عليهم لأعدائكم، بغيرِ عدلٍ أفشوه فيكُم، ولا أمل أصبح لكم فيهم إلاّ الحرام من الدنيا أنالوكم، وخسيس عيش طمعتم فيه".